أحمد بن محمود السيواسي

9

عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )

فقال : أبشروا ! يأتيكم راحب الحمار ومن بعده صاحب البعير فملك الملك بني إسرائيل وبيت المقدس زمانا ، ثم قبض اللّه ملك بني إسرائيل اسمه صديقة فمرج أمر بني إسرائيل وتنافسوا الملك حتى قتل بعضهم بعضا ، وعصوا ربهم ونبيهم شعياء معهم ولا يقبلون منه ، فلما فعلوا ذلك أوحى اللّه تعالى إلى شعياء أن قم وأنذرهم وعظهم وحذرهم لينزجروا عن أفعالهم الخبيثة ، فقام وأنذر وبالغ في الوعظ والتحذير فلم يقبلوا منه ، فقصدوا قتله فهرب منهم ، فلقيه شجرة فانفلقت له فدخل فيها فأدركه الشيطان فأخذ بثوبه فأراهم إياها ، فوضعوا في وسطها المنشار فقطعوها ثم استخلف اللّه على بني إسرائيل بعد ذلك رجلا منهم يقال له ناشية بن أموص وبعث أرمياء بن حلقيا نبيا ، وكان من سبط هارون بن عمران وكان يسدد ذلك الملك ويرشده ، ثم عظمت الأحداث والذنوب في بني إسرائيل واستحلوا المحارم ، فأوحى اللّه إلى أرمياء أن خوفهم بما أمرك به وذكرهم نعمتي عليهم وعرفهم بأحداثهم ، فقام أرميا فيهم ولم يدر ما يقول ، فألهمه اللّه في الوقت خطبة بليغة بين فيها لهم ثواب الطاعة وعقاب المعصية ، وقال في آخرها عن اللّه عز وجل وإني حلفت بعزتي لأقضين لهم فتنة يتحير فيها الحكيم ولأسلطن عليهم جبارا قاسيا ألبسه الهيبة وأنزع من صدره الرحمة يتبعه عدد مثل سواد الليل المظلم ، ثم أوحى إلى أرميا أني مهلك بني إسرائيل بيافث ، ويافث أهل بابل ، فلما أخبرهم بذلك أخذوه وحبسوه ، قيل : هو الحضر عليه السّلام ، فسلط اللّه عليهم بختنصر فخرج في ستمائة ألف راية ، ودخل بيت المقدس بجنوده ووطئ الشام ، وقتل بني إسرائيل حتى أفناهم وخرب بيت المقدس ، وقتل علماءهم وأحرق التورية وأمر جنوده أن يملأ كل رجل منهم ترسه ترابا ثم يقذفه في بيت المقدس ، ففعلوا ذلك حتى ملؤه ثم أمرهم أن يجمعوا من بلدان بيت المقدس الغنائم والرجال والنساء فاجتمع كل صغير وكبير من بني إسرائيل عنده فاختار منهم سبعين ألف صبي ، قيل : كيف جاز أن يبعث اللّه الكفرة على المسلمين ويسلطهم عليهم ؟ أجيب بأن معناه : خلينا بينهم وبين ما فعلوه بقطع لطفنا عنهم ومنه إسناد التولية إلى نفسه في قوله « وَكَذلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ » « 1 » ، فلما خرجت غنائم جنده وأراد أن يقسم فيهم قالت له الملوك الذين كانوا معه أيها الملك : لك غنائمها كلها وأقسم بيننا هؤلاء الصبيان فأعطاهم إياهم فأصاب كل رجل منهم أربعة غلمة ، ثم أدخل من بقي من بني إسرائيل أرض بابل فمكثوا بها سبعين سنة حتى مات ملكهم بختنصر ، وقيل : « مسخه اللّه نسرا في الطير ثم مسخه ثورا في الدواب ثم مسخه أسدا في الوحوش » « 2 » لتخريبه بيت المقدس وإحراقه التورية ، ثم غزا رجل من أهل همدان يقال له كورش أهل بابل فظهر عليهم وسكن ديارهم ، وتزوج امرأة من بني إسرائيل وطلبت من زوجها أن يرد قومها بني إسرائيل إلى أرضهم ، ففعل فجاؤوا إلى بيت المقدس فمكثوا في أرضها ، فرجع حالهم إلى أحسن ما كانوا عليه تائبين مطيعين للّه ، ثم أنهم لما دخلوا الشام دخلوها وليس معهم عهد من اللّه لإصلاح دينهم وكانت التورية قد أحرقت ، وكان عزير غلاما من السبايا التي كانت ببابل ، فرجع إلى الشام يبكي عليها ليله ونهاره ، إذ أقبل عليه رجل وقال يا عزير ما يبكيك ؟ قال : أبكي على كتاب اللّه تعالى وعهده الذي كان بين أظهرنا الذي لا يصلح دنيانا وأخرانا غيره ، قال : أفتحب أن يرد اللّه إليك التورية ارجع فصم وتطهر وطهر ثيابك ، ثم موعدك هذا المكان غدا فرجع عزير وصام وتطهر وطهر ثيابه ، ثم عمد إلى المكان الذي وعده فجلس فيه فأتاه ذلك الرجل باناء فيه ماء وكان ملكا بعثه اللّه إليه فسقاه من ذلك الإناء فمثلت التورية في صدره فرجع إلى بني إسرائيل فوضع لهم التورية ، فأحبوه حتى لم يحبوا حبه شيئا ، فكان بينهم يأمرهم وينهاهم بالتورية ، فهذه هي الواقعة الأولى التي أنزل اللّه ببني إسرائيل لظلمهم أنفسهم « 3 » . [ سورة الإسراء ( 17 ) : آية 6 ] ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْناكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْناكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً ( 6 ) ( ثُمَّ رَدَدْنا ) أي أعدنا ( لَكُمُ الْكَرَّةَ ) أي الدولة والرحمة ( عَلَيْهِمْ ) أي على الذين قتلوكم بعد مائة سنة لما تبتم

--> ( 1 ) الأنعام ( 6 ) ، 129 ؛ أخذه عن الكشاف ، 3 / 170 . ( 2 ) عن وهب ، انظر البغوي ، 3 / 481 . ( 3 ) لعله اختصره من السمرقندي ، 2 / 260 ؛ والبغوي ، 3 / 370 - 482 .